فخر الدين الرازي
212
القضاء والقدر
واعلم : أن هذا الذي بينه صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه في هذا الخبر معلوم الصحة بالبراهين اليقينية العقلية . وذلك لأن أفعال الجوارح لا تصدر إلا عند الدواعي والصوارف في القلوب . فرجحان الفعل موقوف على حصول داعية الفعل ، ورجحان الترك موقوف على عدم حصول تلك الداعية ، لأن علة العدم : عدم العلة . فالقلب كالشئ الموصوف بين حصول تلك الداعية واللاحصول لها . فإن حصلت داعية الفعل ، حصل الفعل . وإن لم تحصل تلك الداعية ، لم يحصل ذلك الفعل . فصاحب الشريعة ، عبر عن حصول هذه الداعية وعدم حصولها بالإصبعين ، لما ثبت أن حصول تلك الداعية ليس إلا باللّه تعالى . وإلا لزم التسلسل . وكما ثبت هذا المعنى بهذا البرهان العقلي ، وبهذا الخبر الذي رويناه ، ثبت أيضا بنص القرآن . وهو قوله تعالى : وَاعْلَمُوا : أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ « 1 » . ومن تأمل في هذه البراهين العقلية ، وضم إليها هذه الآيات ، وهذا الخبر خاصة ، ورجع إلى نفسه : لم يبق في قلبه شك في صحة مذهبنا . ولكن ذلك إنما يسهل على من سهله عليه . الحجة التاسعة والعشرون : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أعلمك كلمة من تحت العرش كنز من كنوز الجنة : لا قوة إلا باللّه . يقول اللّه : « أسلم عبدي واستسلم » « 2 » وجه الاستدلال به : إن القدرة بالنسبة إلى الفعل أو إلى الترك ، على السوية . وما دام تبقى القدرة على هذا الاستواء ، امتنع صدور الفعل . فإذا رجح جانب الفعل على جانب الترك بتحصيل الدواعي وإزالة الصوارف ، فحينئذ يحصل الفعل . وهذه التقوية هي المشار إليها
--> - رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . اللهم يا مصرف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك » ( 4 / 2045 رقم 2654 ) . وأخرج الترمذي في صحيحه عن أنس رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت : يا رسول اللّه آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : نعم : إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه يقلبها كيف يشاء » وهذا حديث حسن . . . وروى بعضهم عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وحديث أبي سفيان عن أنس أصح » ( 4 / 448 رقم 2140 ) . ثم عاد الترمذي وروى نحوه عن أم سلمة وحسنه ( 5 / 538 رقم 3522 ) . وروى الحاكم أيضا حديث أنس ( 1 / 526 ) . كما روى حديث أم سلمة أحمد في مسنده ( 6 / 315 ) وروى أحمد نحوه عن عائشة ( 6 / 182 و 251 ) . ( 1 ) سورة الأنفال الآية 24 . ( 2 ) الحديث رواه البخاري في الدعوات باب إذا علا عقبه ( 8 / 101 ) وباب قول : لا حول ولا قوة إلا باللّه ( 8 / 108 ) وفي الجهاد باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير ( 4 / 69 ) وفي المغازي باب غزوة خيبر ( 5 / 169 - 170 ) وفي القدر باب لا حول ولا قوة إلا باللّه ( 8 / 155 ) وفي التوحيد باب قول اللّه تعالى وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 9 / 144 ) ؛ ورواه مسلم في الذكر والدعاء باب استحباب خفض الصوت بالذكر ( 4 / 2076 رقم 2704 ) ؛ وأبو داود في الصلاة باب الاستغفار ( 2 / 88 - 89 رقم 1526 - 1528 ) ؛ والترمذي في الدعوات باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل ( 5 / 509 رقم 3461 ) وابن ماجة في الأدب باب ما جاء في لا حول ولا قوة إلا باللّه ( 2 / 1256 رقم 3824 ) وأحمد ( 4 / 400 و 402 و 403 و 407 و 418 و 419 ) كلهم عن أبي موسى الأشعري . وروى نحوه عن أبي ذر ابن ماجة ( رقم 3825 ) وأحمد ( 145 و 150 و 152 و 157 و 179 و 265 ) أما حديث أبي هريرة المذكور فقد رواه أحمد ( 2 / 298 و 335 و 520 ) وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي أيوب الأنصاري ومعاوية بن حيدة وقيس بن سعد بن عبادة رضي اللّه عنهم وغيرهم ( راجع مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي ( 10 / 100 - 102 ) .